سيد محمد طنطاوي
429
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وحذف المفعول الثاني في قوله : * ( يُعْطِيكَ ) * ، ليعم كل وجوه العطاء التي يحبها صلى اللَّه عليه وسلم أي : ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما . والتعبير بقوله * ( فَتَرْضى ) * المشتمل على فاء التعقيب ، للإشعار بأنه عطاء عاجل النفع ، وأنه سيأتي إليه صلى اللَّه عليه وسلم في وقت قريب ، وقد أنجز - سبحانه - وعده . قال الجمل : وقوله - سبحانه - : * ( ولَلآخِرَةُ ) * اللام فيه للابتداء مؤكدة لمضمون الجملة . وإنما قيد بقوله - تعالى - * ( لَكَ ) * لأنها ليست خيرا لكل أحد . وقوله : * ( ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ . . . ) * هذا وعد شامل لما أعطاه اللَّه - تعالى - له من كمال النفس ، وظهور الأمر ، وإعلاء الدين . . واللام لام الابتداء ، والمبتدأ محذوف ، أي : ولأنت سوف يعطيك ربك ، وليست لام القسم ، لأنها لا تدخل على المضارع ، إلا مع نون التوكيد . . « 1 » . ثم عدد - سبحانه - نعمه على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى . . ) * . والاستفهام هنا للتقرير ، واليتيم : هو من فقد أباه وهو صغير . أي : لقد كنت - أيها الرسول الكريم - يتيما ، حيث مات أبوك وأنت في بطن أمك ، فآواك اللَّه - تعالى - بفضله وكرمه ، وتعهدك برعايته وحمايته وعصمته ، وسخر لك جدك عبد المطلب ليقوم بكفالتك ، ومن بعده سخر لك عمك أبا طالب ، حيث تولى رعايتك والدفاع عنك قبل الرسالة وبعدها ، إلى أن مات . وقوله - تعالى - * ( ووَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) * بيان لنعمة أخرى أنعم - سبحانه - بها على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم : وللمفسرين في معنى هذه الآية كلام طويل ، نختار منه قولين : أولهما : أن المراد بالضلال هنا الحيرة في الوصول إلى الحق ، والغفلة عما أوحاه اللَّه - تعالى - إليه بعد ذلك من قرآن كريم ، ومن تشريعات حكيمة . . مع اعتقاده صلى اللَّه عليه وسلم قبل النبوة أن قومه ليسوا على الدين الحق ، بدليل أنه لم يشاركهم في عبادتهم للأصنام ، ولا في السلوك الذي يتنافى من مكارم الأخلاق . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : * ( ضَالًّا ) * معناه : الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع . . « 2 » .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 551 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 768 .